رفيق العجم
548
موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي
يتكلّم في أخلاق النفس وصفات القلب من الخوف والرجاء والصبر والشكر والتوكّل والزهد واليقين والإخلاص والصدق وهم مغرورون ، لأنهم يظنّون أنهم إذا تكلّموا بهذه الصفات ودعوا الخلق إليها فقد اتّصفوا بها وهم منفكّون عنها إلا عن قدر يسير لا ينفكّ عنه عوام المسلمين . وغرور هؤلاء أشدّ الغرور لأنهم يعجبون بأنفسهم غاية الإعجاب ويظنّون أنهم ما تبحروا في علم المحبة إلا وهم من الناجين عند اللّه ، وأنهم مغفور لهم بحفظهم لكلام الزهاد مع خلوّهم من العمل ، وهؤلاء أشدّ غرورا ممن كان قبلهم لأنهم يظنّون أنهم يحببون في اللّه ورسوله وما قدروا على تحقيق دقائق الإخلاص إلا وهم مخلصون ، ولا وقفوا على خفايا عيوب النفس إلا وهم عنها منزّهون ، وكذلك جميع الصفات . وهم أحبّ في الدنيا من كل أحد ، ويظهرون الزهد في الدنيا لشدّة حرصهم عليها وقوّة رغبتهم فيها ومحثّون على الإخلاص وهم غير مخلصين ، ويظهرون الدعاء إلى اللّه وهم منه فارّون ويخوّفون باللّه وهم منه آمنون ويذكرون باللّه وهم له ناسون ويقرّبون إلى اللّه وهم منه متباعدون ويذمّون الصفات المذمومة وهم بها متّصفون ويصرفون الناس عن الخلق وهم على الخلق أشدّهم حرصا ، لو منعوا عن مجالسهم التي يدعون فيها الناس إلى اللّه لضاقت عليهم الأرض بما رحبت . ويزعمون أن غرضهم إصلاح الخلق ولو ظهر من أقران أحدهم من أقبل الخلق عليه ومن صلحوا على يديه لمات غمّا وحسدا ، ولو أثنى واحد من المتردّدين إليه على بعض أقرانه لكان أبغض خلق اللّه إليه . فهؤلاء أعظم غرورا وأبعد عن التنبيه والرجوع إلى السداد . ( كش ، 28 ، 5 ) - فرقة . . . عدلوا عن المهم الواجب في الوعظ وهم وعّاظ أهل هذا الزمان كافة إلا من عصمه اللّه فاشتغلوا بالطاعات والشطح وتلفيق كلمات خارجة عن قانون الشرع والعدل طلبا للأغراب . وطائفة اشتغلوا بطيارات النكت وتسجيع الألفاظ وتلفيقها ، وأكثر همّهم في الإسجاع والاستشهاد بأشعار الوصال والفراق وغرضهم أن يكثر في مجلسهم التواجد والزعقات ولو على أغراض فاسدة ، فهؤلاء شياطين الأنس ضلّوا وأضلّوا فإن الأوّلين إن لم يصلحوا أنفسهم فقد أصلحوا غيرهم وصحّحوا كلامهم ووعظهم ، وأما هؤلاء فإنهم يصدّون عن سبيل اللّه ويجرون الخلق إلى الأغراض والغرور باللّه بلفظ الحرافة حراءة على المعاصي ورغبة في الدنيا ، لا سيما إذا كان الواعظ متزيّنا بالثياب والخيلاء والمرائي ويعظهم بالقنوط من رحمة اللّه حتى ييأسوا من رحمته . ( كش ، 30 ، 19 ) - فرقة . . . قنعوا بكلام الزهّاد وأحاديثهم في ذمّ الدنيا فيعيدونها على نحو ما يحفظون من كلام من حفظوه من غير إحاطة بمعانيه . فيعظهم الواحد منهم بذلك على المنابر ، وبعضهم يعظنون الناس في